الشيخ فاضل اللنكراني

60

مدخل التفسير

فان هذه الآيات نزلت بمكة في ابتداء ظهور الاسلام ، وبدء دعوة النبي ، والسبب في نزولها - على ما حكي - أنّه مرّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أناس بمكّة فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون هذا الذي يزعم أنه نبيّ ، ومعه جبرئيل ، فأخبرت الآية عن نصرة النبي في دعوته ، وكفاية اللّه المستهزئين والمشركين في زمان كان من الممتنع بحسب العادة انحطاط شوكة قريش ، وانكسار سلطانهم ، وغلبة النبي والمسلمين وعلوّهم ، وقد كفاه اللّه اشرف كفاية ، وبان للمستهزئين ، وعلموا ما في قوله تعالى في آخر الآية : « فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » ومن هذا القبيل قوله تعالى في سورة الصف المكيّة الواردة في مثل الحال المذكور ، والشأن الّذي وصفناه من طغيان الشرك ، وسلطان المشركين في بدء الدعوة الاسلاميّة 9 : « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » . ومنها : قوله تعالى في سورة القمر 44 - 45 : « أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » . وقد نزل في يوم بدر حين ضرب أبو جهل فرسه وتقدم نحو الصف الاوّل قائلا : « نحن ننتصر اليوم من محمّد وأصحابه » فأخبر اللّه بانهزام جمح الكفار وتفرّقهم ، مع أنه لم يكن يتوهّم أحد نصرة المسلمين وانهزام الكافرين مع قلة عدد الأولين ، بحيث لم يتجاوز عن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وضعف عدّتهم ، لان الفارس فيهم كان واحدا أو اثنين ، وكثرة عدد الآخرين ، وشدة قوّتهم بحيث وصفهم اللّه تعالى بانّهم ذو وشوكة ، وكيف يحتمل انهزامهم ، وقمع شوكتهم وانكسار سلطانهم ؟ وقد اخبر اللّه تعالى بذلك ، ولم يمض إلّا زمان قليل بان صدق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما حكاه واخبره . ومنها : ما ورد في رجوع النبيّ ، ودخول المسلمين إلى معاده ، والمسجد الحرام من قوله تعالى في سورة القصص 85 : « إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ » وقوله تعالى في سورة الفتح 27 : « لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ